14 May 2008 02                                                                 أتصل بنا   الصفحة الاولى     أضفنا للمفضلة   Make a Donation تبرع للموقع
الصفحة الرئيسية / تحت العدسة / ما وراء النص في فيلم تقويم شخصي
 
ما وراء النص في فيلم تقويم شخصي
بقلم: ماجد الربيعي
07 May 2008 12

المخرج  بشير الماجد مخرج فلم تقويم شخصي
المخرج بشير الماجد مخرج فلم تقويم شخصي
تمتاز السينما بكونها وسطاً تعبيرياً شديد التكثيف حيث تستطيع ان تختزل الكثير من التفاصيل والافكار في فلم قصير او مشهد او حتى احياناً لقطة واحدة معبرة ودالة وقد يكون مرد ذلك هو طبيعتها كوسيلة اتصال وتعبير جماهيرية تمزج ما بين الفنون جميعاً حيث يتجسد الرقص والرسم والموسيقى والنحت والادب في سيمفونية واحدة.
فتمزج ما بين الخيال والواقع او ما بين الانطباعية والتعبيرية والرمزية وغيرها من المذاهب والمدارس وما بين المدرسة الكلاسيكية او الواقعية وهذه القدرة على المزج والتعايش ما بين هذه الاتجاهات والاساليب والانواع هو احد الاسباب الرئيسة التي تعطي للسينما هذه المكانة وتجعلها بحق جامعة الفنون وسابعتها وخاتمتها... ومن الانواع السينمائية المميزة في عالم اليوم هو الافلام السينمائية القصيرة ورغم ان هذا النوع ليس بجديد في عالم السينما ولكنه اصبح اليوم يمثل مرتكزاً اساسياً في الحقل السينمائي وخصوصاً في المهرجانات والاحتفالات الفنية وقد استطاع ان يتبوأ هذه المرتبة بسبب ظروف الحياة المعاصرة المتسمة بالسرعة والابتسار والتكثيف فضلاً عن اشتراطاته الفنية المميزة له...

وقد يتبادر الى ذهن البعض بأن اللجوء الى صناعة واخراج الافلام القصيرة هو نوع من الهروب او من عدم القدرة على الابداع ولكن العكس يمكن ان يكون صحيحاً مائة في المائة ذلك ان تكثيف الفكرة والسيناريو في فلم مدته تتراوح ما بين (10-25) دقيقة يحتم على المخرج ايجاد حلول اخراجية وبدائل صورية غاية في الابداع والتكثيف والايحاء والايجاز وعليه خلال هذه المدة القصيرة نسبياً ان يقول كل ما يريده وليس هذا فقط بل يحتم عليه ان يوصل افكاره الى المتلقي بصورة واضحة وتامة. ومن ثم فالفلم القصير لا يختلف عن الفلم الروائي الطويل من ناحية امتلاكه للبداية والوسط والنهاية (كبنية تقليدية طبعاً) وليست بنية ذات انزياحات واضحة في البناء او في المعنى...

ومن الافلام القصيرة المميزة التي انتجت في بلدنا موخرا ًهو فلم (تقويم شخصي) للمخرج الشاب الفنان بشير الماجد وهذا الفلم حقق حضوراً طيباً عند المتلقين حيثما عرض وشوهد ذلك انه امتلك ادواته السينمائية الواضحة والتي مكنته من اعاده صياغة الواقع الحياتي بشكل سينمائي معبر ودال، وقصة الفلم تدور حول عدد من الشخصيات الذين يستقلون وسيلة نقل واحدة هي (الباص / التاتا) وتبدأ الاحاديث فيما بينهم بشأن التفاصيل اليومية وارهاصات الوضع الراهن حيث الكل يغني على ليلاه وتتبدى للمتلقي حينها النفعية والانتهازية الواضحة في محاولة كل شخصية سحب الاحداث بآتجاه افكارها وميولها ومصالحها وفرض اراءها على الاخرين برغم خطأها احياناً...

وهنا سنتحدث عن مستويين المستوى الاول هو النص او السيناريو والمستوى الثاني هو المعالجة الاخراجية او الرؤية الفنية لدى المخرج ففي المستوى الاول نلاحظ مدى قدرة السيناريو في الربط بين الاحداث والمواقف وجمع الشخصيات في مكان واحد ونستطيع ان نشخص سيادة وهيمنة الفكر الفلسفي المغلف للحوارات بالرغم من ان الفلم كان ذا مسحة كوميدية ولكنها ليست كوميديا الاضحاك وهي ايضاً ليست كوميديا سوداء ولكنها نوع من كوميديا المواقف المأساوية التي تتماهى وتتماشى مع احداثنا اليومية حيث شر البلية ما يضحك، فالحوارات كانت مكثفة ودالة وذات طاقة عالية على الايحاء فضلاً عن الترشيق والترشيد الكبير في الحركة الجسمانية للشخصيات سواء الانتقالية او الايمائية اثناء النطق بالحوارات مما اكسب الحوار قدرة كبيرة على التأثير في المتلقي وسهل من مهمة المخرج في المستوى الثاني وهو المتعلق بوضع المعالجة السينمائية المناسبة وصياغة رؤية فنية اخراجية تتناسب وهكذا سيناريو.

وقد يبدو واضحاً قدرة المخرج على اختيار عناصر اللغة السينمائية المناسبة لتوظيفها داخل خطابه السينمائي فمثلاً ابتدأ بلقطة عامة للباص وختمها بلقطة متوسطة تحولت الى عامة بحركة الباص الى الامام كأنها دلالة على استمرارية الحياة رغم الاختلاف والصراع ما بين اللاعبين الرئيسيين كما ان اختيار مكان تصوير واحد رغم ما فيه من محاذير وصعوبات في تحريك الكاميرا الا انه قد خدم المخرج انتاجياً على الاقل وحتم عليه التعامل مع شخصياته باقتصادية صورية واضحة خوفاً من الراكورات والقطع في الاستمرارية كما ان الانتقالات المونتاجية ما بين اللقطات والمشاهد كانت محسوبة لايجاد توازن دقيق بين الفعل والحركة او ما بين الارتفاع والانخفاض في الايقاع سعيا نحو جو عام ذي صبغة هارمونية متماسكة تهدف الى شد المتلقي ودفعه الى التواصل والتفاعل مع الحدث الدرامي وصولاً الى تحقيق اعلى نسبة ممكنة من التماهي والانصهار ما بين طرفين العملية الاتصالية الباث والمستقبل.
ولا بد من الاشارة الى الكم الكبير من الدلالات المنبثقة من الفلم نتيجة الفهم العميق لمفردات اللغة السينمائية وكيفيات توظيفها من قبل صانع العمل بحيث ان الفلم قد لايمكن الحكم عليه او تقييمه او تقويمه نقديا من المشاهدة الاولى لان هنالك معاني وافكاراً ورؤى وتفاصيل تتحرك وتنمو خلف النص سواء المكتوب او المرئي او ما يطلق عليه ميتا نص او ميتا خطاب وهذه المعاني المختبئه تحت السطور وخلف الصورة هي ما يجدد للخطاب حياته ويعطيها دفقاً ويزيدها تشظياً.

ففضلاً عن الابعاد الايدلوجية والايحاءات الذهنية التي يبتعثها الخطاب داخل مخيلة المتلقي فان الفلم يمكن تخيله على ان هذا (الباص / التاتا) هو الوطن العراقي وراكبوه هم مجموعة من السياسين الذين تتجاذبهم الاهواء والمصالح وقد يمكن تأويله على ان هذا الباص هو محصلة لمركب الشعب العراقي الذي يعاني من انعدام الوزن حالياً وعدم القدرة على اتخاذ القرار الصائب نظراً لكثرة المؤامرات التي تحاك ضده اضافة الى الظروف غير الاعتيادية التي يعيشها، او يمكن تأويله على ان العراقيين رغم اختلافهم يمكن ان يتعايشوا وان يسيروا في مركب واحد وهكذا ينفتح التأويل وتتوسع القراءات الى عدد لا نهائي من المعاني والدلالات وهذه هي قدرة السينما و مقدرة هذا الفلم على خلق انزياحات في المعنى المنبثق منه بحيث تجدد القراءات كلما شوهد الفلم من جديد بحيث يمكننا القول إن هذا الفلم لو شوهد بعد عشر سنوات مثلاُ لامكننا قراءته بشكل مختلف عن القراءه الحالية وقد يتصور البعض بأن ذلك قصور في قدرة الخطاب السينمائي على الالتقاء بالمتلقي عند نقطة معينة الا ان التحليل النقدي السينمائي المناسب يحتم علينا القول إن ذلك مما يحسب للخطاب السينمائي لانه يتضمن استنطاقاً جديداً لعدد من المعاني والافكار المفتوحة للتأويل والتفسير والموجودة خلف النص المرئي الظاهر على الشاشة وهذه الماورائية النصية هي التي تبعث المبرر عند المتلقي لاعادة المشاهدة واستنطاق هذه المعاني المضمنه في تلافيف النص المرئي.


Print View Comment Newwrite
  189 مشاهدة لهذا الموضوع
 
أضف الى مفضلتك الاجتماعية
Add to: Mr. Wong Add to: Webnews Add to: Icio Add to: Oneview Add to: Folkd Add to: Yigg Add to: Linkarena Add to: Digg Add to: Del.icio.us Add to: Reddit Add to: Simpy Add to: StumbleUpon Add to: Slashdot Add to: Netscape Add to: Furl Add to: Yahoo Add to: Spurl Add to: Google Add to: Blinklist Add to: Blogmarks Add to: Diigo Add to: Technorati Add to: Newsvine Add to: Blinkbits Add to: Ma.Gnolia Add to: Smarking Add to: Netvouz Information
Your Ad Here

تعليقات و آراء القراء


هنالك ما عدده 3 تعليق.أضغط هنا لاضافة تعليقك.
  • تحيه لعراقيي الغربه(بواسطة: بشير الماجد)

  • اصدقائي الاعزاء ، قد تكون الغربه قضمت سنين عديدة من اعمارنا ، لكنها فشلت في الاجهاض على ابداعنا ، وتواصلنا ، شكرا لكم ، وللرائع ( بسام البغدادي ) لانه يجمعنا عبر اصطياده لنا ، في شبكته الجميلة .

  • محبه(بواسطة: رضاذياب)

  • المبدع بشير الماجد كل يوم ازداد فخرا وانا في غربتي لانك انجزت الكثير وانجازك هو انجازي وانجاز كل المبدعين العراقيين اتمنى لك ولزملائك كل التوفيق ridha-60maktoob.com رضاذياب من كندا

  • مبروك(بواسطة: علي منشد مسرحي عراقي)

  • الف مبروك لك ايها المبدع بشير الماجد واتمنى لك مستقبلا زاهرا علي منشد مسرحي عراقي مقيم في كندا


أضف تعليقك مع مراعاة الحقول الواجب تعبئتهاذات العلامة الحمراء *
الأسم *
البريد الألكتروني
الموضوع *
التعليق *
عدد الاحرف المتبقيه