|
|
 |
الصفحة الرئيسية /
أخبار السينما / موسيقى الضوء والكتابة بالصورة |
|
موسيقى الضوء والكتابة بالصورة
بقلم: تهامة الجندي
24 May 2008 12
غلاف كتاب جمال السينما للكاتب هنري آجيل
منذ بدايات السينما وحتى يومنا هذا مازالت الدراسات تتوالى حول جمالياتها وإمكاناتها الخلاقة, غير أن المكتبة العربية تفتقر الى مثل هذه الدراسات, ومن هنا تنبع أهمية جهد الناقد السينمائي إبراهيم العريس في ترجمته لكتاب هنري آجيل «علم جمال السينما» من الفرنسية إلى العربية, وهو كتاب يلقي الضوء عبر فصوله الإحدى عشرة على أهم المنظرين والنظريات الجمالية التي بحثت في عناصر الفيلم البصرية والسمعية وفي اتجاهاته الفنية.
|
منذ المقدمة يشير العريس إلى صعوبة الخوض في موضوع كهذا على اعتبار أن: «السينما كفن وكصناعة, وكفن مستقل بذاته, وجامع في الوقت نفسه لكل الفنون الأخرى, تفترض لنفسها بحوثا جمالية بالغة الخصوصية والتعقيد والصعوبة, ولعل ما يزيد من صعوبتها كونها تنمو بنمو السينما, على عكس علوم الجمال الأخرى التي اعتادت أن تتناول مادة موجودة سلفا وتاريخيا».
€ إن السينما بوصفها هندسة للحركة, تتوصل للمرة الأولى في التاريخ إلى إيقاظ الأحاسيس الموسيقية التي تتضافر في المكان عن طريق الأحاسيس البصرية التي تتآخى في الزمان
في الفصل الأول من كتابه لاحظ آجيل أن الأمر الذي أثار اهتمام المختصين والمنظرين الأوائل, هو الطابع الشاعري لوسيلة التعبير الجديدة, وأن اهتمامهم انصب على خصوصيات السينما وعلاقتها بالأشكال الإبداعية الأخرى وإمكاناتها التقنية من: تغبيش الصورة, والحواجز المانعة للضوء, والصورة المطبوعة فوق صورة, والتعتيم, والتوليف, وحركة الكاميرا, فهي الكفيلة بنقل السينما إلى ضفاف الشعر والحلم والواقع السوريالي.
ففي العام 1913 أسس الكاتب الإيطالي ريتينشيوتو كونودو مجلة «مون جوا» وأخذ يتساءل على صفحاتها عن أبعاد ودلالة هذا الفن الذي كان هو أول من أطلق عليه اسم «الفن السابع», وهو الذي رأى أن «السينما هي الفن الشامل الذي تتجه نحوه كل الفنون الأخرى, وسنصل إلى وقت تكون فيه السينما الفن الوحيد القادر للاستجابة للاحتياجات الجماعية الكبرى», «إنها في الوقت ذاته اندماج الفنون التشكيلية والإيقاعية, إندماج العلم والفن», وقد رأى كونودو أن الصدق الأسمى للسينما في التعبير عن النفس, وليس في تقديم الوقائع: «إن على صانع السينما أن يجول في الواقع ليجعله على صورة حلمه الداخلي».
وكان لوي ديلوك هو أول من استخدم مصطلح المونتاج, ورأى أن «السينما هي كتابة بواسطة الضوء والكثافة والممثل والمونتاج», وأن المونتاج هو الذي يسمح للسينما بإظهار مشاهد متوازية: «توازيات داخلية وخارجية, إمكانية إقامة مجابهات بين الحاضر والماضي, بين الواقع والحلم».
أما جرمان دلوك فهو أول من تحدث عن حركة الكاميرا وعن السينما الصافية: «إن للسينما والموسيقى رابطا مشتركا, حيث بإمكان الحركة وحدها أن تخلق التأثير المطلوب عبر إيقاعها وتطورها», «إن الحركة في اتساعها هي التي تخلق البعد الدرامي, وتصل إلى مفهوم الحركة الصافية».
وكان إيلي فور مؤلف كتاب «تاريخ الفن» واحدا من أوائل علماء الجمال الذين ربطوا ما بين حركة الكاميرا والإيقاعات الموسيقية: «إن السينما بوصفها هندسة للحركة, تتوصل للمرة الأولى في التاريخ إلى إيقاظ الأحاسيس الموسيقية التي تتضافر في المكان عن طريق الأحاسيس البصرية التي تتآخى في الزمان, الحقيقة أننا أمام موسيقى تمسنا بواسطة العين», «إن تقنية الكاميرا نفسها تدخلنا إلى قلب الواقع المخبوء, كاشفة لنا عن أن ذلك الواقع متحرك في جوهره».
ومؤلف كتاب «لحن صامت» رينيه شووب رأى «إن السينما تغوص بنا إلى جذور وجودنا, إلى نقطة التماس بين كينونتنا الأكثر سرية والأكثر عرضة لجهلنا, وبين ما نعتقد انه كينونتنا... إنها أفضل عملية جس للقلق الخالد الذي نحمله في دواخلنا... ومعجزة السينما تكمن في كونها تبدو وكأنها لا تظهر لنا سوى المظهر, بينما هذا المظهر ليس في حقيقته سوى تعويذة سحرية».
ورأى جان إبشتاين في: «السينما أداة مميزة لثورة مطلقة بإمكاننا أن ندانيها من المحاولة السوريالية, ولسوف تقوم على فرض أسلوب جديد للكينونة وللتفكير مرتكزة ليس على مبدأ الديمومة, وإنما على مبدأ الصيرورة».
ولآبيل غانس مكانة أساسية في المدرسة الفنية التي سادت في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى, فهو الذي قال: «السينما هي موسيقى الضوء», ثم أطلق نبوءته: «لقد أتى زمن الصورة, إن كل الخرافات, كل الأساطير, كل مؤسسي الأديان, وكل الأديان نفسها, وكل الشخصيات الكبرى في التاريخ, وكل الانعكاسات الموضوعية لمخيلات الشعوب منذ ألوف السنين, كلها تنتظر البعث الضوئي... إن عصا الساحر موجودة في كل كاميرا».
وفي كتابه «أعمال الفكر» كتب المخرج رينيه كلير: «إنك ملكي أيتها الأوهام البصرية العزيزة, وملكي هذا الكون الذي أعيد خلقه, والذي بإمكاني أن أوجه سماته المكونة تبعا لما أرتئيه».
ورأى آدو كير مؤلف كتاب «السوريالية في السينما» أن السينما جوهر سوريالي: «هي وسيلة التعبير المنشودة عن المعنى المستتر للحياة, فالمزج الكبير بين الحياة والحلم, والمدرك واللامدرك يتحقق عن طريق السينما», بينما أكد جان كوكتو أن: «الإبداع السينمائي أو الفني إنما هو نوع من السر الداخلي, وأن الفيلم هو كتابة بالصور».
الواقعية
أطلق هنرى آجيل صفة الواقعيين على كل المنظرين الذين رغبوا في أن يجعلوا من السينما المرآة الأصدق تعبيرا عن الواقع المعاصر, وكان للمنظرين الروس سبق الريادة في ذلك منذ العام 1922 وفرضية دزيغا فيرتوف حول «العين السينمائية» الذي أكد بموجبها على ضرورة التقاط الواقع كما هو, والإمساك بالحياة في قلب الحياة نفسها, عائدا إلى المبادئ الأولى التي سار عليها الأخوة لوميير, فقد أعلن فيرتوف أنه: «على السينما أن ترفض الممثل والملابس والمكياج والاستوديو والإضاءة, أي بكلمة واحدة أن ترفض كل الإخراج, لتستسلم أمام الكاميرا, التي هي عين أكثر موضوعية من العين البشرية نفسها», أما الوثائق التي تسجّلها الكاميرا فهي تُجمع على يد المخرج بطريقة تجعله قادرا على استخلاص دلالة منها من خلال تنظيمها وتشكيلها تبعا لتوليف دقيق ومحسوب بعناية, وهذه الفرضية لفتت أنظار سينمائيي العالم إلى السينما التسجيلية وأهمية توليف الوقائع, لاسيما في فيلم نيكول فيدري «باريس1900», وسلسلة أفلام فرانك كابرا «لماذا نحارب» في اميركا.
التعبيرية
على نقيض من الواقعية جاءت التعبيرية لتعيد السينما إلى مدارات الذات, ويشير آجيل إلى أن الفيلم التعبيري الذي ازدهر في ألمانيا العام 1914, مارس تأثيره على مجمل الإنتاج السينمائي العالمي, وأن هناك كتابان بحثا في خصوصيات الاتجاه التعبيري: «الشاشة الشيطانية» للوت آيسنر و«من كاليغاري إلى هتلر» لسيغموند كراكور, وفي كليهما تأكيد أن السينما التعبيرية سعت إلى استخدام كل إمكانات الليل, ورفضت قيم النهار, وأعطت للظلمة كل عوالمها اللامنطقية والسحرية, إنها حركة مضادة للتيار الطبيعي, تفترض بالفنان أن يحرر نفسه من ضغوطات الواقع المزيف, وينعتق من طغيان الظواهر, ساعيا لالتقاط الجوهري والدلالة الخالدة الأزلية للوقائع والأشياء, إن الرؤية الداخلية لهذه الظواهر هي الرؤية الحقيقة, والتفسير الذاتي للأحداث هو الذي يتيح لها الوصول إلى الحياة الحقيقية».
المدرسة الإيطالية
منذ البداية سجّل آجيل تأثر المدرسة الإيطالية بالفكر الماركسي, واهتمامها بالبعد الاجتماعي وبالجانب الصناعي, فقد افترض امبرتو بريارو «أن توسعا مقبلا للثقافة السينمائية الإيطالية, سيؤدي إلى رفض شامل وصائب للجمالية المثالية», واعتبر غويدو أريستاركو: أن جميع النظريات التي سعت لاحتواء الخصوصية الفيلمية, ركضت وراء سينما صافية, أُعطيت فيها الأسبقية للصورة, أو أُكدت فيها الأسبقية لعنصر ما من النحو السينمائي, كالتوليف مثلا, مع أنه لا ينبغي للفيلم أن يُدرس بوصفه قيمة جمالية, بل بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية, بوصفه شاهدا على حالة حضارية معينة, وقادرا على استكمال أو تغيير بعض الوقائع السوسيولوجية.
كبار المنظرين
إلى جانب تناوله لاتجاهات السينما الجمالية, فقد أفرد المؤلف أربعة فصول لعرض آراء كبار المنظرين السينمائيين, واعتبر أن المجري بيلا بالاش €18941951€ كان واحدا من أهم منظري الفن السابع في العالم, فكتبه الثلاثة: «الرجل المرئي وحضارة الفيلم», «روح الافلام» و«نظرية الفيلم» تأملت مليا في عناصر اللغة السينمائية: اللقطة الكبيرة والتوليف والصوت وزوايا الكاميرا, واللقطة الكبيرة عند بالاش: «هي ما يميز السينما عن المسرح, وهي كذلك ما يعطي السينما طابعها الشعري الخاص, فهي تخلق قرابة وعزلة متميزتين, لكنها وبشكل خاص تسمح باقتراح حد أقصى من الحس المأسوي بأقل ما يمكن من الوسائل, يزول وعينا بالمكان لنجد أنفسنا في مواجهة بعد آخر, هو بعد التقاسيم, حيث لا نعود نرى وجها من لحم ودم, بل تعبيرا, نرى مشاعر وأمزجة ونوايا وأفكار».
كذلك أكد بالاش على الطابع الخلاق لعملية التوليف, وميز بين نوعين: «التوليف عن طريق التوازي, والتوليف عن طريق المقاطع, والنوع الأول إذ يجمع عددا من الوقائع التي لا علاقة منطقية بينها, يعمل لإيقاظ انطباع كوني, نظرة جماعية إلى الوجود, ونوع من الرؤية الشاملة إلى العالم, والنوع الثاني قائم على عودة بعض المقطوعات البصرية التي تشكل مقطوعة مشتركة بين عدة مشاهد».
بدوره درس أيزنشتاين التوليف من منطلق الجدلية المادية, ومبدأ وحدة وصراع الأضداد, فرأى أن وضع مقطعين من فيلم ما, مهما كانت قيمته, سوف يتآلفان ضمن تصوّر جديد, وقيمة جديدة تكون وليدة هذا التآلف, وإن اللقطة ليست عنصرا توليفيا, إنها الخلية التوليفية, والذي يميز التوليف هو تصادم أو صراع قطعتين, فالفن يستقي وجوده من هذا الحضور الأساسي للصراع, وبهذا الخصوص حدد أيزنشتاين أشكالا مختلفة للصراع: صراعات للاتجاهات الخطية, صراعات بين الاحجام والكتل, لقطات عتمة تتعاقب مع لقطات مضيئة, صراعات بين الحدث وديمومته الزمنية, صراعات بين الشيء وأبعاده.
وكان هذا المخرج الكبير صاحب فيلم «المدرعة بوتيمكين» مع الارتجال, وكان يرى أن النص الذي سيشتغل عليه فريق العمل في الفيلم ينبغي أن ينحصر في بضعة أوراق, تشير إلى الخطوط الأساسية في المشهد الذي سيُصور, وإلى الأثر المطلوب إحداثه, العمل الفني لا يستحوذ على وجوده إلا في اللحظة التي يُنجز فيها ميدانيا على يد المخرج, فبالاتصال مع الواقع, بل مع الحاجز تتولد لحظة الإلهام.
الكتاب: «علم جمال السينما», 192 صفحة قطع كبير.
المؤلف: هنري آجيل.
ترجمة: إبراهيم العريس.
الناشر: المؤسسة العامة للسينما€ دمشق 2005.
أضف الى مفضلتك الاجتماعية
|
|
|
 |
تعليقات و آراء القراء لحد الان لا يوجد تعليقات على الموضوع فضلاً ضع تعليقك. أضغط هنا لأضافة تعليقك. |
|
أضف تعليقك مع مراعاة الحقول الواجب تعبئتهاذات العلامة الحمراء * |
|